الشيخ محمد رشيد رضا
62
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه تعالى أن يتوب عليه ؟ لقيت مرة سكرانا في أحد شوارع القاهرة فأقبل علي يقبل يدي ويبكي ويقول ادع اللّه لي أن يتوب علي من السكر ويغفر لي ، أنت ابن الرسول ، ودعاؤك مقبول . وأمثال هذا الكلام ، وإذا كان اللّه تعالى لا يقبل صلاة السكران لأنه لا يعقل ما يقول وما يفعل ، فهو بالأولى لا يقبل صلاة المقامر الذي يقف بين يديه ، وقلبه مشغول عنه بما حرمه عليه ، فلا يتدبر القرآن ، ولا يخشع للرحمن ، وهو عاقل مكلف قادر على مجاهدة نفسه ، وتوجيهها إلى مراقبة ربه . ولا يفيد مثل هذا المصلى الساهي عن صلاته بافتاء الفقهاء بصحتها ، إذا كملت شروطها وفروضها ، فما كل صحيح عند علماء الرسوم بمقبول ، ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) قد يقال إن اللّه تعالى قد بين بهذه الآية علتين لتحريم الخمر والميسر - إحداهما اجتماعية والأخرى دينية ، والدينية تصدق على الألعاب التي اشتد ولوع كثير من الناس بها كالشطرنج ، فالظاهر أن تعد بذلك محرمة كالميسر لأنها تصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، وان كان اللعب بها على غير مال ؟ قال السيد الآلوسي في هذا المقام من تفسيره ( روح المعاني ) : وقد شاهدنا كثيرا ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن اللّه تعالى ما ينفر منه الفيل ، وتكبو له الفرس ، ويصوح من همومه الرخ بل يتساقط ريشه ، ويحار لشناعته بيذق الفهم ، ويضطرب فرزين العقل ، ويموت شاه القلب ، وتسودّ رقعة الاعمال . اه وأقول إن اللعب بالشطرنج إذا كان على مال دخل في عموم الميسر وكان محرما بالنص كما تقدم ، وإذا لم يكن كذلك فلا وجه للقول بتحريمه قياسا على الخمر والميسر الا إذا تحقق فيه كونه رجسا من عمل الشيطان ، موقعا في العداوة والبغضاء ، صادّا عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، بأن كان هذا شأن من يلعب به دائما أو في الغالب . ولا سبيل إلى اثبات هذا ، واننا نعرف من لاعبي الشطرنج من يحافظون على صلواتهم وينزهون أنفسهم عن اللجاج والحلف الباطل ، وأما الغفلة عن اللّه تعالى فليست من لوازم الشطرنج وحده ، بل كل لعب وكل عمل فهو يشغل صاحبه في أثنائه عن الذكر والفكر فيما عداه الا قليلا ، ومن ذلك ما هو مباح وما هو مستحب أو واجب . كلعب